الشيخ محمد رشيد رضا

142

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويوصون بالاعتصام والاتباع ، وينهون عن الرأي والقياس في الدين ، ويتدافعون الفتوى ويتحامونها ولا سيما إذا سئلوا عما لم يقع ، ولكن بعض الذين انقطعوا لعلم الشريعة فتحوا باب القياس والرأي فيها ، وأكثروا من استنباط الفروع الكثيرة في العبادات والمعاملات جميعا ، فجاء بعض الفروع مخالفا للسنة القولية أو العملية مخالفة بينة ، وبعضها غير موافق ولا مخالف ، الا أنه يدخل فيما عفا اللّه عنه فسكت عن بيانه رحمة لا نسيانا كما ورد ، وقد وضعوا للاستنباط أصولا وقواعد منها الصحيح الذي تقوم عليه الحجة ، ومنها ما لا تقوم عليه حجة البتة ، ومنهم من لم يلتزم تلك الأصول والقواعد في استنباطه للاحكام ، وقوله هذا حلال وهذا حرام ، وذهبوا في ذلك مذاهب بددا ، وسلكوا اليه طرائق قددا ، فكثرت التكاليف حتى تعسر تعلمها ، فما القول في عسر العمل بها ؟ فتسلل منها الافراد والجماعات ، وتفصت من عقلها الحكومات ، وكثرت على المسلمين بها الشبهات ، وكانت في طريق الدعوة إلى الاسلام أصعب العقبات . ولو سلك المتأخرون طريق السلف حتى أئمة أهل الرأي منهم في منع التقليد والرجوع إلى صحيح المأثور ، ورد المتنازع فيه إلى اللّه والرسول - لما وصلنا إلى هذا الحد الذي وصفناه . ( 9 ) ان الاسلام دين توحيد واجتماع ، وقد نهى أشد النهي عن التفرق والاختلاف ، قال تعالى ( وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا ) وقال ( وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ ) وقال ( إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ) وقال ( وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ . مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكانُوا شِيَعاً كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ ) ولم تكن هذه النصوص من الكتاب وأمثالها منه ومن السنة برادعة للمسلمين عن التفرق ، وما كان التفرق الا من الرأي الذي اتبعوا فيه سنن من قبلهم شبرا بشبر وذراعا بذراع ، حتى دخلوا حجر الضب الذي دخلوه قبلهم ، مصداقا للحديث المتفق عليه . وروى ابن ماجة والطبراني من حديث ابن عمر عن النبي ( ص ) قال « لم يزل أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم التي كانت بنو إسرائيل تسبيها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلو » وقد علم عليه السيوطي بالحسن . ونقل هذا المعنى غير